الإدمان على الطعام: مشكلة معاصرة وحلول عملية
يُعتبر الإدمان على الطعام تحديًا حقيقيًا في مجتمعنا الحديث، إذ تعاني الكثير من النساء من مشاعر الذنب والخجل المرتبطة بوزنهن وإحساسهن بعدم القدرة على السيطرة على عاداتهن الغذائية. ومع ذلك، توجد طرق للتعامل مع الرغبة المفرطة في تناول الطعام والأكل العاطفي تُساعد في الوصول إلى الأسباب الجذرية لهذه المشكلة وتفتح باب الشفاء.
فهم المشكلة: لماذا نصبح مدمنين على الطعام؟
ليس هناك مانع من الاستمتاع بالطعام بين الحين والآخر؛ فالبشر مبرمجون بيولوجيًا للتمتع بالأطعمة. إذ يُعد تناول الطعام ضرورة حياتية، وتعمل آلية المكافأة الدوبامينية على تعزيز رغبتنا في البحث عن الطعام وتناوله. لكن في بعض الأحيان، يُصبح الاعتماد على الطعام لتصحيح مستويات الدوبامين مبالغًا فيه، مما يؤدي إلى الإدمان. وغالبًا ما تكون الأطعمة ذات النكهات المبهرة—كالسكرية، المالحة، والدسمة، وبشكل خاص تلك المعالجة بشكل مفرط—المحفز الأساسي لهذه الحالة.
استراتيجيات للتغلب على الأكل العاطفي
رغم أن الطعام لا غنى عنه لبقائنا، إلا أن تحوله إلى عادة إدمانية يشكل تحديًا يستدعي اتباع عدة خطوات عملية لتحسين الصحة العامة والتعامل مع الأكل العاطفي:
-
معالجة الأسباب الجسدية:
- إلى جانب العوامل العاطفية، قد تلعب المشكلات الفسيولوجية دورًا في ظهور إدمان الطعام. لذا، يُفضل البدء بفحص ومعالجة النواقص الصحية، حيث أن تحسين الصحة البدنية يعود بالنفع على الجسم بشكل عام.
-
اتباع نظام غذائي غني بالمغذيات:
- إذا كانت الرغبة الشديدة في تناول الطعام ناتجة عن نقص في العناصر الغذائية أو سوء التغذية، فإن تناول كميات كافية من الفواكه، الخضروات، والمنتجات الحيوانية عالية الجودة (مثل تلك المُعَدّة من حيوانات تغذت على الأعشاب) يُمكن أن يساعد في سد هذه الثغرات وتحسين الصحة العامة. وحتى وإن لم يكن السبب نقصًا غذائيًا، فإن النظام الغذائي الصحي دائمًا ما يُفيد الجسم.
-
مراجعة الأدوية:
- قد تؤدي بعض الأدوية إلى زيادة الشهية وارتفاع الوزن، مما يمكن أن ينطلق منه نمط الأكل العاطفي. في مثل هذه الحالات، يُنصح بمراجعة الطبيب لتعديل الجرعة أو استبدال الدواء ببديل يُقلل من هذا التأثير.
-
تقليل مستويات التوتر:
- تتسبب حالات التوتر في تنشيط الجسم للبحث عن الأطعمة السكرية والمالحة والدسمة، نظرًا لكونها مصادر سريعة للطاقة. لكن مع استمرار التوتر، قد يؤدي ذلك إلى أضرار صحية أكبر. لذا، يُنصح بإعطاء الرعاية الذاتية أولوية يومية، سواء من خلال ممارسة الرياضة، تخصيص وقت للاسترخاء، أو الانخراط في أنشطة تُساعد على تهدئة الذهن.
-
استعادة التوازن الهرموني:
- يرتبط التوتر باختلال الهرمونات مثل الكورتيزول، إضافةً إلى اضطرابات أخرى قد تؤثر على الشهية. لتحقيق التوازن الهرموني يمكن اتباع عدة نصائح:
- تناول الدهون الصحية: ابتعد عن الدهون المصنعة واعتمد على مصادر طبيعية مثل زيت الزيتون البكر، زيت جوز الهند، والأفوكادو.
- تقليل الكافيين والملوثات: لتخفيف تأثيرها على الغدد الصماء.
- الحصول على نوم كافٍ: حيث يعمل الجسم أثناء النوم على إصلاح الخلايا وتوليف الهرمونات.
- ممارسة التمارين الرياضية المناسبة: يُفضل البدء بتمارين خفيفة مثل المشي أو السباحة خاصةً لمن يعانون من عدم توازن هرموني.
- التركيز على توازن هرمون اللبتين: إذ يعد اللبتين من الهرمونات الأساسية التي تؤثر على تنظيم الشهية.
- يرتبط التوتر باختلال الهرمونات مثل الكورتيزول، إضافةً إلى اضطرابات أخرى قد تؤثر على الشهية. لتحقيق التوازن الهرموني يمكن اتباع عدة نصائح:
-
تغيير النظرة تجاه الطعام:
- يرى بعض الخبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في الطعام نفسه بل في العلاقة التي نقيمها معه. إذا كان الطعام هو الوسيلة الوحيدة لتخفيف المشاعر السلبية، فقد يكون من الضروري استكشاف الجذور العاطفية لهذا السلوك والعمل على معالجتها بدلاً من محاولة فرض رقابة صارمة على النظام الغذائي.
-
فهم طبيعة الجسم:
- يشعر الكثيرون بالذنب نتيجة الإفراط في تناول الطعام أو صعوبة خسارة الوزن، لكن عند النظر إلى التاريخ البيولوجي للإنسان، نجد أن أجسامنا مهيأة للبحث عن الطعام وتخزين الطاقة في أوقات الندرة. في عصر وفرة الطعام، خاصةً الأطعمة ذات الطعم المغري، يصبح هذا الجانب مشكلة، إلا أن فهمنا لهذه الآلية يساعدنا على تقدير قدرات أجسامنا والتعامل معها بإيجابية دون اللجوء إلى القيود الصارمة أو الإحساس بالذنب.
-
اعتماد نظام غذائي متوازن:
- يمثل اتباع نظام غذائي حقيقي قائم على الأطعمة الطبيعية والمتنوعة خطوة أساسية للتغلب على الأكل العاطفي. اختر مصادر بروتينية عالية الجودة، وكميات وفيرة من الخضروات، مع تناول الفواكه والدهون الصحية. تجنب الأطعمة المُعالجة التي تفتقر إلى القيمة الغذائية. كما أن تعديل النظام الغذائي وفق احتياجات الجسم الفردية—مثل تجنب بعض المكونات التي قد لا يتحملها البعض—يُعد أمرًا مهمًا. تختلف كمية الكربوهيدرات المناسبة لكل شخص، وقد يكون لبعض الأنظمة مثل النظام الكيتوني فعالًا، بينما لا يناسب آخرين؛ لذا يُنصح بتجربة ما يناسب جسمك مع بدء النظام الغذائي بنمط مشابه للحمية الباليونية (Paleo) وتعديل الكربوهيدرات إذا لزم الأمر.
-
دمج المتعة الصحية في الروتين اليومي:
- لا بأس من الاستمتاع بالطعام من وقت لآخر، لكن يجب ألا يكون المصدر الوحيد للمتعة. إذا شعرت بأن الطعام هو الوسيلة الوحيدة للشعور بالسعادة، فكر في إضافة أنشطة أخرى مثل المشي، التأمل، اللقاء مع الأصدقاء أو قضاء وقت مع العائلة، لتعزيز رفاهيتك النفسية.
-
الاستعانة بالمختصين:
- إذا استمرت صعوبات الأكل العاطفي، قد يكون من المفيد التحدث مع معالج أو مستشار مختص للوصول إلى جوهر المشكلات العاطفية المرتبطة بتناول الطعام، وهو ما يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في التعامل مع هذا التحدي.
-
تطبيق تقنيات تحرير العواطف (EFT):
- تشير بعض الخبرات إلى أن العديد من سلوكيات الأكل العاطفي تنبع من ذكريات ومشاعر عميقة مخزنة في العقل اللاواعي. تُساعد تقنيات EFT على الوصول لهذه المشاعر ومعالجتها، مما قد يخفف من حدة الانفعالات ويُسهم في تحسين العلاقة مع الطعام. ورغم أن هذه التقنيات قد تبدو غريبة في البداية، إلا أنها مدعومة بأبحاث علمية وأثبتت فعاليتها لدى كثير من الأشخاص.
الخلاصة
قد تبدو رحلة التغلب على الأكل العاطفي معقدة ومرهقة، إلا أن التغيير يبدأ بخطوات صغيرة نحو تحسين العادات الغذائية ونمط الحياة، مع الاستعانة بالدعم المتخصص عند الحاجة. تم مراجعة هذه المقالة طبيًا من قبل الدكتورة ميشيل ساندز، الحاصلة على شهادة البورد المزدوج في الطب التكاملي والطب الطبيعي، والأخصائية في التغذية الشاملة والرياضة التنافسية. ونؤكد أن هذه المقالة لا تُعد نصيحة طبية شخصية، بل يُنصح دائمًا بالتواصل مع الطبيب المعالج لتحديد الخيارات المناسبة لحالتك.